القرطبي

92

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وليست هذه " لولا " التي تعطي منع الشئ لوجود غيره ، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن " لولا " بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا ، والتي للامتناع يليها الابتداء ، وجرت العادة بحذف الخبر . ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به ، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته . والآية : الدلالة والعلامة ، وقد تقدم ( 1 ) . " الذين من قبلهم " اليهود والنصارى في قول من جعل " الذين لا يعلمون " كفار العرب ، أو الأمم السالفة في قول من جعل " الذين لا يعلمون " اليهود والنصارى ، أو اليهود في قول من جعل " الذين لا يعلمون " النصارى . " تشابهت قلوبهم " قيل : في التعنيت والاقتراح وترك الايمان . وقال الفراء . " تشابهت قلوبهم " في اتفاقهم على الكفر . " قد بينا الآيات لقوم يوقنون " تقدم ( 2 ) . قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحب الجحيم ( 119 ) . قوله تعالى : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا " " بشيرا " نصب على الحال ، " ونذيرا " عطف عليه ، وقد تقدم معناهما ( 3 ) . " ولا تسئل عن أصحاب الجحيم " قال مقاتل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أنزل الله بأسه باليهود لامنوا ) ، فأنزل الله تعالى : " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " برفع تسأل ، وهي قراءة الجمهور ، ويكون في موضع الحال بعطفه على " بشيرا ونذيرا " . والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول . وقال سعيد الأخفش : ولا تسأل ( بفتح التاء وضم اللام ) ، ويكون في موضع الحال عطفا على " بشيرا ونذيرا " . والمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم ، لان علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم . هذا معنى غير سائل . ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والانذار . وقال ابن عباس ومحمد بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : ( ليت شعري ما فعل أبواي ) . فنزلت هذه الآية ، وهذا على قراءة من قرأ " ولا تسأل " جزما على النهي ، وهي قراءة نافع وحده ، وفيه وجهان :

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 66 طبعة ثانية . ( 2 ) راجع ج 1 ص 180 طبعة ثانية . ( 3 ) راجع ج 1 ص 184 ، 238 طبعة ثانية .